فوزي آل سيف

155

أعلام من الأسرة النبوية

ـ فقد لاحظ المسلمون التأثر الشديد الذي اعترى رسول الله، والحزن العميق الذي طبع يوم النبي، حتى قيل إنه كان يدخل بيته ويبكي جعفرا وزيدا، حتى قال له بعضهم: لطالما بكيتَ عليهما ــ أي بكيت كثيرًا على هذين الشخصين ــ، فقال: بلى كانا يؤنساني ويحدِّثاني، فذهبا جميعًا.. ـ كذلك فقد اتجه النبي إلى بيت جعفر الطيار وطلب من زوجته أسماء أن تحضر أبناءه، فجاءته بهم فذرفت عيناه، وعزاها بزوجها، وإذا بفاطمة الزهراء تدخل وهي تبكي وتنادي: وا عماه! فقال النبي صلى الله عليه وآله: على مثل جعفر فلتبكِ البواكي! ـ وأمر بيوت بني هاشم أن يصنعوا لآل جعفر (زوجته وأولاده) الطعام، لانشغالهم بمصيبتهم!! ـ أخذ بيد عبد الله بن جعفر وقال: اللهم اخلف جعفرا في أهله، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه! (ثلاث مرات).[422] في ذلك الوقت كان عمر عبد الله حوالي سبع سنوات، وقد طوقه النبي بدعائه عموما وخصوصا، فقد عمه بالطلب من الله أن يخلف جعفرا في أهله، وأهله يشمل أولاده ومنهم عبد الله، وخصه بدعائه أن يبارك الله له في صفقة يمينه وتجارته! ووجد عبد الله أثر ذلك الدعاء في حياته، حيث كانت حياة رخية من الناحية المالية توفر لعبد الله في صباه أفضل بيئة ممكنة، وذلك أنه بعد شهادة أبيه تزوجت أمه أسماء بنت عميس بأبي بكر لمدة قصيرة إلى حين وفاته في سنة 13 للهجرة، لتنجب له محمدا، ومن ثم تزوجها أمير المؤمنين علي عليه السلام وبقيت معه إلى ما قبل شهادته بسنتين حيث توفيت سنة 38 هـ. فكان عبد الله تحت رعاية أمير المؤمنين عليه السلام، وفي معية الحسنين، ونجد الكثير من القصص والروايات تجمع هذا الثلاثي المتقارب في السن! ويأتي ذكر عبد الله في الحوارات مع معاوية وعمرو بن العاص.. فإنه يسجل له التاريخ خروجه مع أمير المؤمنين والحسنين، لتوديع أبي ذر الغفاري عندما أمر عثمان بتسفيره وإخراجه من المدينة، وقال لمروان! أخرجه ولا تدع أحداً يكلّمه! فحضر مروان على ناقة ومعه جمل ليحمله وأهله، وحضر أمير المؤمنين علي عليه السلام ومعه الحسنان وعبد الله بن جعفر وعمّار بن ياسر ليشيّعوه، فلمّا بصر أبو ذرّ بعليّ عليه السلام ومعه الحسنان قام إليه فقبّل يده وبكى، وقال: إنّي إذا رأيتك ورأيت ولدك ذكرت قول رسول الله فيكم فلا أصبر حتّى أبكي، فبدأ عليّ عليه السلام يكلّمه، فقال له مروان وهو على ناقته: إنّ أمير المؤمنين، قد نهى أن يكلّمه أحد! فرفع عليّ السوط وضرب به وجه ناقة مروان، وقال له: تنحّ! نحاك الله إلى النّار.[423] وهكذا فأنت ترى وقع خطوات عبد الله بن جعفر على موضع قدم أمير المؤمنين عليه السلام، فقد نقلوا أنه هو الذي أجرى على الوليد بن عقبة حد شرب الخمر أيام عثمان بعدما شهد عليه الشهود، ويقال أن عبد الله كان مع الحسنين في فترة دفاعهما عن عثمان حتى لا يقتحم قصره وتهتك حرمة أهله وكان ذلك بأمر الإمام علي عليه السلام.[424]

--> 422 ) الطبري ؛ أحمد بن عبد الله: ذخائر العقبى 221 423 اليوسفي ؛ محمد هادي: موسوعة التاريخ الإسلامي 4/ 371 424 ) من هذه الأسطر القليلة ترى عزيزي القارئ كيف أن عليا مع الحق والحق معه، فهو في نفس الوقت الذي يشايع أباذر ويودعه من غير أن يعلن التمرد الظاهري الشامل، ينصر الحق فلا يعتني بنهي عثمان عن تشييعه، لأنه ظلم.. إلا أنه في نفس الوقت لا يستسلم لحالة الغضب والموقف الناقم على عثمان، فهو يصد عنه هجمة الثائرين عليه لكيلا تهتك حرمة منزله وأهله، وإن كان يراه خاطئا في تصرفاته وإدارته، ولكن هذا لا يمنعه من إقامة الحد على الوالي الوليد بن عقبة بعدما ثبت عليه شرب الخمر، وتردد الحاكم في إقامة الحد عليه!!